جلال الدين السيوطي
202
الأشباه والنظائر في النحو
من المحمول على المعنى قولهم : حسبك ينم الناس ، ولذا جزم به كما يجزم بالأمر ، لأنه بمعنى : اكفف ، وقولهم : اتقى اللّه امرؤ فعل خيرا يثب عليه ، لأنه بمعنى : ليتقّ اللّه امرؤ وليفعل خيرا . وقال أبو علي الفارسي في ( التذكرة ) : إذا كانوا قد حملوا الكلام في النفي على المعنى دون اللفظ حيث لو حمل على اللفظ لم يؤدّ إلى اختلال معنى ولا فساد فيه ، وذلك نحو قولهم : شرّ أهرّ ذا ناب ، وشيء جاء بك ، وقوله « 1 » : [ الطويل ] [ أنا الذائد الحامي الذمار ] وإنما * يدافع عن أحسابهم أنا أو مثلي وقولهم : قلّ أحد لا يقول ذاك ، وقولهم : نشدتك اللّه إلا فعلت ، وكل هذا محمول على المعنى ولو حمل على اللفظ لا يؤدي إلى فساد والتباس ، فإن الحمل على المعنى حيث يؤدي إلى الالتباس يكون واجبا ، فمن ثم نفى سيبويه قوله : مررت بزيد وعمرو ، إذا مرّ بهما مرورين ، ما مررت بزيد ولا بعمرو ، فنفى على المعنى دون اللفظ ، وكذلك قوله : ضربت زيدا أو عمرا ما ضربت واحدا منهما ، لأنه لو قال : ما ضربت زيدا أو عمرا أمكن أن يظنّ أن المعنى ما ضربتهما ، ولما كان قوله : ما مررت بزيد وعمرو ، لو نفى على اللفظ لا يمكن أن يكون نفى مرورا واحدا فنفاه بتكرير الفعل ليتخلص من هذا المعنى ، كذلك جمع قوله : ما مررت بزيد أو عمرو : ما مررت بواحد منهما ليتخلص من المعنى الذي ذكرنا . قاعدة : البدء بالحمل على اللفظ إذا اجتمع الحمل على اللفظ والحمل على المعنى بدئ بالحمل على اللفظ ، وعلل ذلك بأن اللفظ هو المشاهد المنظور إليه ، وأما المعنى فخفيّ راجع إلى مراد المتكلم ، فكانت مراعاة اللفظ والبداءة بها أولى ، وبأن اللفظ متقدم على المعنى ، لأنك أول ما تسمع اللفظ فتفهم معناه عقبه ، فاعتبر الأسبق ، وبأنه لو عكس لحصل تراجع ، لأنك أوضحت المراد أولا ثم رجعت إلى غير المراد ، لأن المعوّل على المعنى فحصل الإبهام بعد التبيين . وقال ابن جنّي في ( الخصائص ) « 2 » : اعلم أن العرب إذا حملت على المعنى لم تكد تراجع اللفظ ، لأنه إذا انصرف عن اللفظ إلى غيره ضعفت معاودته إياه ، لأنه
--> ( 1 ) مرّ الشاهد رقم ( 142 ) . ( 2 ) انظر الخصائص ( 2 / 420 ) .